داعية يحب زميلته.. ليس جُرمًا ولكن .. !!
داعية يحب زميلته.. ليس جُرمًا ولكن .. !!

السؤال

السلام عليكم، أنا شاب أبلغ من العمر العشرين عامًا، أدرس في إحدى الجامعات في السنة الثانية، حيث إن الحياة هنا جد شاقة، وخاصة على شاب مسلم يسعى جاهدًا للحفاظ على دينه من هول المعاصي والمشاهد والمناظر المزرية، فجاهدت نفسي على غض البصر، ومنعت نفسي من الاختلاط مع الزميلات بتاتًا، إلا أنني أبقى من البشر ومن الخطائين، وإن شاء الله من التوابين، حيث بدأت أقع في شباك ما يُزعَم بأنه إعجاب ، فأصبحت عيني تختلس النظرات من بعيد إلى الزميلات المحجبات، إلى درجة أنني حين أتواجد في أي مكان في حرم الجامعة أبدأ بالنظر حولي لعلي أشاهد من بعيد إحداهن.

إني خجلان من نفسي، ولكن ما العمل ؟؟ حالي هذا هو حال الكثيرين.

إلى حد أني أفكر في إحدى الزميلات كثيرًا، وأصبح قلبي يتقطع حين أراها من كثرة إعجابي بها، ولكن حين نلتقي صدفة في الطريق أتلفت جانبًا جاهدًا بأن لا تلتقي عينانا، وأصبحت أتخيلها أمامي، لا أريد أن أقول: هذا هو الحب بعينه؛ لأنني إنسان يؤمن بأقوال وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، بأن نأتي البيوت من أبوابها، فماذا أفعل، علمًا بأنه بقي على دراستي ثلاث سنوات.

الرد

أخي الحبيب . .
مرحبًا بك، ونشكرك على ثقتك بنا، وفتْحِك قلبك لنا، وقد جاءت استشارتك لتؤكد ما قلتُه سابقًا في بعض الاستشارات من أن الشباب الملتزم والفتيات الملتزمات، لهم أحاسيس ومشاعر، لا تختلف عن غيرهم من أقرانهم، وقد يغفل هذا أو يتغافل عنه الملتزمون والملتزمات أنفسهم ومن يوجِّههم ويرعاهم.

وأن تجاهل وكبت وخنق هذه المشاعر والأحاسيس يؤدِّي إلى عيوبٍ نفسيَّةٍ شديدةٍ تؤتي آثارها الضارَّة على علاقة هؤلاء الشباب بأنفسهم وبالمجتمع من حولهم، وتصيبهم بنوعٍ من انفصام الشخصيَّة، فالعديد منهم قد يعيشون أو "يُظهِرون" أنفسهم في قالبٍ معيَّن، وحينما يخلون مع أنفسهم أو مع بعض الأصدقاء البعيدين عن مجتمع الملتزمين يعيشون في قالبٍ آخر، وهذا يؤدِّي بدوره إلى صراعٍ داخليٍّ يعتلج داخل نفس الشابِّ والفتاة، حيث يتهمَّان أنفسهما بالنفاق والرياء.

وأود أن أخبرك بشيء ربما يختلف معي فيه الكثيرون، ألا وهو أن ما أتيت به لم يكن شيئًا إدًّا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا، بل هو ترجمة وتعبير عن الفطرة التي وضعها الله عز وجل في نفوس بني البشر، وهي الميل إلى الجنس الآخر واشتهاؤه، يقول عز وجل: "زيِن للناس حب الشهوات من النساء"، الناس جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم. وهذه الفطرة ضرورية لإعمار الأرض وبقاء الخليقة.

والإسلام لا ينكر هذه المشاعر ولا يجرِّمها ولا يكبتها، ولكنَّه ينظِّمها ويوجِّهها توجيهًا عفيفًا طاهرًا، يحفظ طهارة القلوب والأرواح والأجساد والأنساب. فإنْ لم تُصَن وتُحَطْ تلك المشاعر والعواطف بهذا السياج الرباني، اضطربت الحياة، وضاعت القيم.

وإني - أخي الحبيب - أشعر جيدًا بما أنت فيه، وأحس بمدى ما تعانيه، وما سوف تعانيه.

وأنا سعيد جدًّا أنك تكلمتَ، وشكوتَ، ورفعتَ صوتك مُخرِجًا ما في نفسك، حيث إنك أدركتَ أن هناك خطأ ما ينبغي أن يُستدرَك، وتلك أول خطوة تخطوها على طريق إصلاح هذا الخطأ إن شاء الله.

وأول ما يجب عليك فعله أخي الحبيب هو أن تُشَخِّص شعورك تجاه تلك الفتاة تشخيصًا دقيقًا، فإنَّنا كثيرًا ما نخلط بين أمور ثلاثة: الاحتياج النفسيّ، والإعجاب، والحبّ، وإن كان بعضها يستتبع بعضًا، خاصة وأنك قد أشرت في كلامك إلى أن الأمر ربما يكون إعجابًا بتلك الفتاة وسلوكها ومظهرها في وسط هذا الكم من الانحلال الأخلاقي الموجود في الجامعة التي تدرس بها.

فإن كان الأمر فعلاً مجرَّد إعجابٍ فأنصحك ألا يتجاوز الأمر ذلك، وأن تحرص كلَّ الحرص أن تبتعد عن كلِّ ما قد يحوِّل هذا الإعجاب إلى شعور آخر يجرك إلى أفعال محرمة، وأنت أدرى الناس بنفسك، وليس معنى أنك معجب بتلك الفتاة أن تنسى تعاليم دينك، وتتجاوز الأخلاقيات الحاكمة، وتنتهك حرمات الله، فتلاحقها بنظراتك، وتضايقها بتلميحاتك وإشاراتك.

أخي الحبيب، إن النظر هو رائد القلب ورسوله، وكما قال الشاعر: "كلُّ الحوادث مبدؤها من النظر"، وإطلاق البصر دون ضابطٍ يورِد الإنسان ذكرًا أو أنثى موارد التهلكة، كما أنَّنا مأمورون من قِبَل الله عزَّ وجلّ بغضِّ أبصارنا عن النظر إلى ما حرَّم الله عزَّ وجلَّ النظر إليه.

أمَّا إن كان الأمر أبعد من إعجابٍ قلبيّ، ولكنه لم يتعدَّ معك مرحلة الشعور وتحرك القلب، فلا إثم عليك إلا من الأسباب المحرَّمة التي أدت بك إلى ذلك، من نظرة محرَّمة، وتصرفات غير منضبطة، وغير ذلك، أما إن كان الأمر قد تجاوز ذلك إلى فواحش أنت تعلمها جيدًا، فالأمر يختلف تمامًا، ويترتب عليه أشياء أخرى. وأحسب أنك لم تصل لهذا إن شاء الله.

والعلاج الوحيد - إن كان هذا هو الحال - لا يخرج عن أمرين:

الأول: هو أن تتزوج تلك الفتاة على شرع الله عز وجل، إن كان ذلك ممكنًا ومُيَسَّرًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لم نر للمتحابَّيْن مثل النكاح" أي الزواج. رواه ابن ماجه بسند صحيح. أو على الأقل تحاول التقدم إليها وخطبتها لحين انتهائك من الدراسة، ثم تتم الزواج.

وإن لم يتيسر ذلك لسبب أو لآخر، فكان ينبغي أولاً أن تتجنب حدوث ذلك من حيث المبدأ، ولكن أما وأنه قد حدث، فليس أمامنا إلا العلاج الثاني، وهو علاج صعب ومؤلم، ولكنه الوحيد، ألا وهو البتر، نعم البتر، وقطع كل أسباب اللقاء أو الحديث، أو حتى الرؤية لتلك الفتاة إن أمكن، ولا يفيد التمهل والتدرج، فكل هذا يؤدي إلى زيادة المضاعفات، وتأخر الشفاء، وربما استعصى العلاج بعد ذلك.

ولذلك نرى أن أول خطوة يقوم بها الطبيب الذي يعالج مدمن المخدِّرات - عافاك الله - هي منع المخدِّر عنه، ثم يبدأ بعد ذلك في تنقية جسمه من السموم التي تشبَّع بها، بالغذاء الجيد وتقوية أجهزة الجسم الواهنة، ويقسو على المريض إلى حد حبسه وتقييده، حتى لا يصل إلى المخدِّر، حتى يعود لسابق عهده قبل الإدمان، وعلى المريض حتى يصل للشفاء أن يتحمل آلامًا شديدة جدّا، ويصبر على فَقْد المخدِّر، وقد تدفعه تلك الآلام إلى محاولة الخروج عن طور العلاج، بل وقد يعتدي على طبيبه لأنه حرمه من المخدر، ولكنه عندما يفيق ويصِحّ، ستختفي كل الآلام، وسيقدم الشكر لهذا الطبيب الذي كان يمقته بالأمس.

هذان هما الطريقان الوحيدان، ولا تحاول أن تبحث عن أي شكل آخر للعلاقة بينك وبين تلك الفتاة، فأية علاقة في الدنيا كالصداقة وغيرها قد تنقلب إلى حب وعشق، ولكن الحب والعشق لا يتحولان أبدًا إلى غيرهما مهما حدث، وستظل خيالات الماضي تحوم حولك كلما اقتربتَ من علائقها، وربما دفعتك إلى سفاهات وفواحش ومعاصٍ، لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.

واسمح لي أن أذكر لك بعض المظاهر والأعراض التي ستمر بك، لتعلم أنَّا لا نصف لك علاجًا من برج عاجي، وإنما نحن نعلم تلك المظاهر والأعراض ونُقَدّرها، فستهيج عليك مشاعرك كلما تذكرتَها، وسيحرقك الشوق للقائها والنظر إليها، والحديث معها، وستبيتَ الليالي ساهرًا تتقلب مع دموعك، وقد تخذلك عزيمتك أحيانًا، وتقدم على لقائها أو محاولة الاتصال بها، ولكن لن يلبث هذا كله أن يخف تدريجيّا حتى يزول بإذن الله.

وأثناء هذه الفترة الحرجة، عليك ببعض المعينات التي قد تكون ثقيلة على نفسك وعلى قلبك لانشغاله بأشياء أخرى، من هذه المعينات والمقويات:

  1. كثرة قراءة القرآن، بل اجعل المصحف يلازمك دائمًا، وافتحه في أي مكان وفي أي وقت تتاح فيه القراءة.
  2. الدعاء والابتهال الدائمين إلى الله عز وجل أن يرفع عنك ما أنت فيه، وأن يرزقك العزيمة والصبر.
  3. تذكر أن هذا العذاب الذي تحس به، والنار المتقدة في قلبك، أخف كثيرًا كثيرًا، بل لا تقارن بعذاب الآخرة ونار جهنم والعياذ بالله.
  4. تذكر دائمًا أن من ترك شيئًا لا يتركه إلا لله، إلا عوضه الله عز وجل منه ما هو خير له في دينه ودنياه. وليكن لك في يوسف عليه السلام عبرة وعظة، إذ استعصم عن الفاحشة وصبر على البلاء، جعله الله عز وجل سيدًا في قوم كان لهم عبدًا وخادمًا.
  5. تذكَّر ما أعده الله عز وجل لعباده الأطهار في الجنة من نعم ومتع، تذكر الحور العين، وجمالهن، وأخلاقهن، ورقتهن، وتحببهن لأزواجهن من المؤمنين.
  6. ابحث عن رفقة صالحة، وأصدقاء مخلصين يعينوك على الخروج من هذه الأزمة، وأشغل أوقاتك معهم في الخير والصلاح.
  7. انتخب من بين هذه الرفقة صديقًا صدوقًا تطمئن إلى دينه وعقله وأمانته، يلازمك ويتابعك، ويشد أزرك، ويقوي عزيمتك، ويتعقب خطواتك على طريق الشفاء، تُسِر إليه بكل كبيرة وصغيرة، وتطلعه على آخر التطورات أولاً بأول، ليسارع بإقالة عثرتك، وتسديد خطاك.
واحذر أن يقذف الشيطان في روعك أنك لا تصلح من الآن للدعوة إلى الله عز وجل، وأنك ينبغي أن تعتزل إخوانك؛ لأنك لست أهلاً لمصاحبتهم، وتنصرف إلى جلد الذات وتحقيرها.

إن الدعاة إلى الله عز وجل ليسوا ملائكة، وهم معرَّضون لكل ما قد يتعرض إليه غيرهم من البشر، وقد قال الله عز وجل في معرض وصفه للمتقين: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون".

أخي . .
ربما كنتَ تعاني من فراغ فكري وعاطفي، فيجب عليك أن تملأه، ولعل المجتمع التي تعيش فيه بما يزخَر من أحداث متتالية، وأمور عظام يجب الانشغال بها، وواقع يفرض التعامل معه والتفكير في تغييره، فإن القلب الخالي إن لم تملأه بالحق مُلئ بغيره.

وربما كنت قبل مرورك بهذه التجربة، تستحقر العصاة، وتستنكر أن يقع أحد الناس في العشق أو غيره، وتسخر منه، فجعلتك هذه التجربة ترحم العُصَاة وتنظر إليهم نظرة أخرى، وتعطف على أخطائهم، وتأخذ بأيديهم.

نقلا عن موقع إسلام أون لاين عودة إلى أعلى الصفحة

مشكلات وحلول


مواقع صديقة


alm3ali.org

bothoor

 
 

أنشطتنا